zoulikha
09-09-2007, 11:52 AM
من ذاكرة مجاهدة
بقلم السيد ة بن اسماعين زليخة خربوش
احببت نوفمبر واخترت النضال وقررت وانضويت..من يغامر يعرف ان لابد وان يسقط في يوم ما، لكن لم اكن اعرف أننى سأسير بعيدا ..بدأت بنشاط سياسي بسيط جمعت الأموال والملابس , وحرضت الآخرين علي النضال ..مع نمو حرب التحرير وفقدان الاخوة والاهل سواء بالاستشهاد او بالسجن اشتد لهفي فأجج انتقامي وتوسعت طموحاتي , ولم ابالي بما سيجري لي وراء القضبان الحديدية والحيطان العالية .
كنت اثق بحديثهم عن الانسانية ..ما كنت اتصور ان ضمائرهم تسمح لهم بتعذيب حتى النساء والاطفال بتلك الوحشية.. ما كنت احسب انهم اعدوا للنساء سجنا بتلك القسوة .
دخلت عالما كان مجهولا عندي, كنت عبئا اعيش مع ظلي واهلي في الدار و لا اخشى غدي , لم اسمع حديثا عن قسوة سجن النساء من قبل : المرأة التي تدخل السجن عيب عندنا ..والتي تركب سيارة الشرطة عيب اكبر من الدعارة ...
منذ ان عرفت الايمان الحقيقي علي يد جمعية العلماء المسلمين قررت الانضواء في عالم النضال سرت في رحلة جبلية. صعبة..وبمصير شريف.. وتحديت قوي الشر المتحالفة التي كانت تجري خلفي .وصرخت في وجه التقاليد المغلوطة..وقاومت انواع الفكر الرجعي , التى كانت تقف ضد خيرنا ...وفضحت عصور التسلط علي المرأة وبذلت جهدي في تحطيم القضبان الفولاذية التي صاغتها قرون الانحطاط حول رأسى .. من هنا كان سجن الاستعمار اهون علي ....
جاء اليوم الذي كنت احسبه بعيدا...وجاءت ليلة القبض..في منتصف الليل سمعت حركة و ضجة وزلزلة...حشرجة المحركات..تكسير الابواب ...اختبأت في الخزانة بين الثياب ..سمعت الضرب الذي كان ينزل بنات عمتي ..كان متبوعا بسؤال واحد: اين هي ؟ اين زليخة ’؟ كانت الدار خالية من الرجال- قتلوا او هاجروا الي المغرب الشقيق او سجنوا ..بدا صراخ النساء يعلو.. ..تلوت آية الكرسى..واعدتها وانا ارتجف داخل الخزانة وامضغ الوثائق..التي كانت في جيب منامتي ..فتح العساكر الخزانة وجدوني قابعة ..جرني احدهم من شعري ..رماني علي الارض في الفناء ..تناثرت قطع الوثائق التي كنت امزقها في جيبي ..هجم علي احدهم صارخا : انظروا’ انظروا انها الاميرة التي بحثنا عنها شهورا وضربني ضربة علي رأسى افقدتني وعيي ..كبوا علي ماء باردا، فطنت ..ذهب عني الخوف ..استنسرت وبدأت اشتم: اهذا هو شرف فرنسا يا سراق ؟ تستأسدون في منازل الناس وفي غياب المجاهدين ايها الذئاب الخداعيين ؟ واجهوا المجاهدين في الجبل ان كنتم ابطالا ..
جروني كالفريسة - مع فراشي وذهبي وذهب اهلي المسروق, وبنات عمتي الثلاثة المتلبسات مثلي بجريمة حب الاستقلال . كدسونا في سيارة البوليس ولم نكن نعرفها من قبل .زفونا الي الحديد والنار والكرباج والكي بالكهرباء وادخلونا في صهريج الماء البارد في عز الشتاء وبدؤوا يدخلون رؤوسنا حتى نشرف علي الاختناق ثم يخرجوننا .. واجهونا مع المقبوض عليهم قبلنا بعد ان مزقوا لحومهم وهشموا رؤوسهم , كما واجهونا مع بعضنا – واني لاخشع عندما اتذكر ذلك الايمان الذي رسخه الله في قلوبنا ...فلم يخفنا تعذيبهم ولا بطشهم بنا ...كنا نتخاصم امامهم باللغة الفرنسية , وننتهز فرصة غفلتهم ونتحدث باللغة العربية لنتفق علي كلمة واحدة ...ولم ياخذوا منا كلمة تروي عطشهم الي الدماء.كانوا يريدون منا كلمة واحدة قبل طلوع الفجر ... قبل رفع التجول خوفا من أن يسمع الفدائيون خبرالقاء القبض ويهربون...
قضينا شهر العسل المر علي تلك الحالة ..واخذونا الي سجن تلمسان حيث تحولت اسماؤنا الي ارقام و رمدوا شعرنا واجسادنا كالسمك في الديتتي لاننا كنا بؤرة مكروب في نظرهم...
بعد سنة من السجن و انواع العذاب والتنكيل حان موعد يوم الشرع ...حملوني مع جمع كبير من المساجين في سيارة البوليس...ولما وصلنا الي باب المحكمة وجدنا جمهورا غفيرا من المواطنين ينتظرنا امام المحكمة والبوليس ينشهم ويدفعهم ويرشهم وهم يرددون في تحد وشجاعة{ تحيي الجزائر} رفعت رؤوسنا واسترجعنا عزتنا وبدأنا نصرخ معهم بأعلى صوت : تحيي الجزائر...ودموع الكرامة تجري علي خدودنا ..
ولما دخلنا القاعة وجدناها تغص بالحاضرين والمتهمين ..نودي اولهم : محمد بن علي ..انك متهم بسرقة بقرتين ...اجاب المتهم : كلا سيدي الرئيس ما سرقت الا البقرة الكبيرة والأخرى تبعت امها..ضحك الجميع ..وحكم عليه بسنة ..ثم نادي رئيس المحكمة المجاهد عبد الجبار..فوقف..قال الرئيس: لقد اعترفت بأنك كنت تساعد المجاهدين وقبض عليك وانت تحمل المئونة في الجبل..قال المجاهد : سيدي كل ما قلته غير صحيح ..لانهم احرقوني بالكهرباء وكما تعلم سيدي الكهرباء ينطق الراديو ...فبلعها الحاكم وضرب الطاولة لاعادة الهدوء وحكم عليه بعشر سنوات.
.كنت الثالثة في اللائحة بعد ان تحدث الغراق وذكر التهم الموجهة ضدي ..تحدث المحامي الاول والثاني وشقشقا كما ارادا للدفاع عني....بعدها حكم علي بخمس سنوات فاجبت رئيس المحكمة براس مرفوع : عندما انهي المدة واخرج من السجن أستأنف الجهاد.. اذا كنتم لازلتم في الحكم...وقعت بلبلة في القاعة وصفق المواطنون وشتمني الفرنسيون ..اخذني البوليس وجري بي الي السيارة الملعونة....وما اشبه بارح الجزائر بأمس فلسطين ويومها...وما أشبه ذلك بيوم أفغان والعراق ولبنان...
والقصة الكاملة التي مررت بها في السجون الثلاث { تلمسان وهران الحراش } ترويها لك الحيطان العالية – المؤلف الذي كتبته في 1976وولم يجد طريقه الى النشر الا في سنة 1988 علي نفقتي.....
zoulikha
بقلم السيد ة بن اسماعين زليخة خربوش
احببت نوفمبر واخترت النضال وقررت وانضويت..من يغامر يعرف ان لابد وان يسقط في يوم ما، لكن لم اكن اعرف أننى سأسير بعيدا ..بدأت بنشاط سياسي بسيط جمعت الأموال والملابس , وحرضت الآخرين علي النضال ..مع نمو حرب التحرير وفقدان الاخوة والاهل سواء بالاستشهاد او بالسجن اشتد لهفي فأجج انتقامي وتوسعت طموحاتي , ولم ابالي بما سيجري لي وراء القضبان الحديدية والحيطان العالية .
كنت اثق بحديثهم عن الانسانية ..ما كنت اتصور ان ضمائرهم تسمح لهم بتعذيب حتى النساء والاطفال بتلك الوحشية.. ما كنت احسب انهم اعدوا للنساء سجنا بتلك القسوة .
دخلت عالما كان مجهولا عندي, كنت عبئا اعيش مع ظلي واهلي في الدار و لا اخشى غدي , لم اسمع حديثا عن قسوة سجن النساء من قبل : المرأة التي تدخل السجن عيب عندنا ..والتي تركب سيارة الشرطة عيب اكبر من الدعارة ...
منذ ان عرفت الايمان الحقيقي علي يد جمعية العلماء المسلمين قررت الانضواء في عالم النضال سرت في رحلة جبلية. صعبة..وبمصير شريف.. وتحديت قوي الشر المتحالفة التي كانت تجري خلفي .وصرخت في وجه التقاليد المغلوطة..وقاومت انواع الفكر الرجعي , التى كانت تقف ضد خيرنا ...وفضحت عصور التسلط علي المرأة وبذلت جهدي في تحطيم القضبان الفولاذية التي صاغتها قرون الانحطاط حول رأسى .. من هنا كان سجن الاستعمار اهون علي ....
جاء اليوم الذي كنت احسبه بعيدا...وجاءت ليلة القبض..في منتصف الليل سمعت حركة و ضجة وزلزلة...حشرجة المحركات..تكسير الابواب ...اختبأت في الخزانة بين الثياب ..سمعت الضرب الذي كان ينزل بنات عمتي ..كان متبوعا بسؤال واحد: اين هي ؟ اين زليخة ’؟ كانت الدار خالية من الرجال- قتلوا او هاجروا الي المغرب الشقيق او سجنوا ..بدا صراخ النساء يعلو.. ..تلوت آية الكرسى..واعدتها وانا ارتجف داخل الخزانة وامضغ الوثائق..التي كانت في جيب منامتي ..فتح العساكر الخزانة وجدوني قابعة ..جرني احدهم من شعري ..رماني علي الارض في الفناء ..تناثرت قطع الوثائق التي كنت امزقها في جيبي ..هجم علي احدهم صارخا : انظروا’ انظروا انها الاميرة التي بحثنا عنها شهورا وضربني ضربة علي رأسى افقدتني وعيي ..كبوا علي ماء باردا، فطنت ..ذهب عني الخوف ..استنسرت وبدأت اشتم: اهذا هو شرف فرنسا يا سراق ؟ تستأسدون في منازل الناس وفي غياب المجاهدين ايها الذئاب الخداعيين ؟ واجهوا المجاهدين في الجبل ان كنتم ابطالا ..
جروني كالفريسة - مع فراشي وذهبي وذهب اهلي المسروق, وبنات عمتي الثلاثة المتلبسات مثلي بجريمة حب الاستقلال . كدسونا في سيارة البوليس ولم نكن نعرفها من قبل .زفونا الي الحديد والنار والكرباج والكي بالكهرباء وادخلونا في صهريج الماء البارد في عز الشتاء وبدؤوا يدخلون رؤوسنا حتى نشرف علي الاختناق ثم يخرجوننا .. واجهونا مع المقبوض عليهم قبلنا بعد ان مزقوا لحومهم وهشموا رؤوسهم , كما واجهونا مع بعضنا – واني لاخشع عندما اتذكر ذلك الايمان الذي رسخه الله في قلوبنا ...فلم يخفنا تعذيبهم ولا بطشهم بنا ...كنا نتخاصم امامهم باللغة الفرنسية , وننتهز فرصة غفلتهم ونتحدث باللغة العربية لنتفق علي كلمة واحدة ...ولم ياخذوا منا كلمة تروي عطشهم الي الدماء.كانوا يريدون منا كلمة واحدة قبل طلوع الفجر ... قبل رفع التجول خوفا من أن يسمع الفدائيون خبرالقاء القبض ويهربون...
قضينا شهر العسل المر علي تلك الحالة ..واخذونا الي سجن تلمسان حيث تحولت اسماؤنا الي ارقام و رمدوا شعرنا واجسادنا كالسمك في الديتتي لاننا كنا بؤرة مكروب في نظرهم...
بعد سنة من السجن و انواع العذاب والتنكيل حان موعد يوم الشرع ...حملوني مع جمع كبير من المساجين في سيارة البوليس...ولما وصلنا الي باب المحكمة وجدنا جمهورا غفيرا من المواطنين ينتظرنا امام المحكمة والبوليس ينشهم ويدفعهم ويرشهم وهم يرددون في تحد وشجاعة{ تحيي الجزائر} رفعت رؤوسنا واسترجعنا عزتنا وبدأنا نصرخ معهم بأعلى صوت : تحيي الجزائر...ودموع الكرامة تجري علي خدودنا ..
ولما دخلنا القاعة وجدناها تغص بالحاضرين والمتهمين ..نودي اولهم : محمد بن علي ..انك متهم بسرقة بقرتين ...اجاب المتهم : كلا سيدي الرئيس ما سرقت الا البقرة الكبيرة والأخرى تبعت امها..ضحك الجميع ..وحكم عليه بسنة ..ثم نادي رئيس المحكمة المجاهد عبد الجبار..فوقف..قال الرئيس: لقد اعترفت بأنك كنت تساعد المجاهدين وقبض عليك وانت تحمل المئونة في الجبل..قال المجاهد : سيدي كل ما قلته غير صحيح ..لانهم احرقوني بالكهرباء وكما تعلم سيدي الكهرباء ينطق الراديو ...فبلعها الحاكم وضرب الطاولة لاعادة الهدوء وحكم عليه بعشر سنوات.
.كنت الثالثة في اللائحة بعد ان تحدث الغراق وذكر التهم الموجهة ضدي ..تحدث المحامي الاول والثاني وشقشقا كما ارادا للدفاع عني....بعدها حكم علي بخمس سنوات فاجبت رئيس المحكمة براس مرفوع : عندما انهي المدة واخرج من السجن أستأنف الجهاد.. اذا كنتم لازلتم في الحكم...وقعت بلبلة في القاعة وصفق المواطنون وشتمني الفرنسيون ..اخذني البوليس وجري بي الي السيارة الملعونة....وما اشبه بارح الجزائر بأمس فلسطين ويومها...وما أشبه ذلك بيوم أفغان والعراق ولبنان...
والقصة الكاملة التي مررت بها في السجون الثلاث { تلمسان وهران الحراش } ترويها لك الحيطان العالية – المؤلف الذي كتبته في 1976وولم يجد طريقه الى النشر الا في سنة 1988 علي نفقتي.....
zoulikha